الجاحظ
63
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وتعالى : خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً . ، ولكنك كما قال جل وعز : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ . قال أبو الحسن : سمعت أعرابيا في المسجد الجامع بالبصرة بعد العصر سنة ثلاث وخمسين ومائة ، وهو يقول : أما بعد فإنّا أبناء سبيل ، والضاء طريق ، وفلّ سنة ، فتصدقوا علينا ، فإنه لا قليل من الأجر ، ولا غنى عن اللّه ، ولا عمل بعد الموت . أما واللّه إنّا لنقوم هذا المقام وفي الصدر حزازة ، وفي القلب غصة . وقال الأحنف بخراسان : يا بني تميم ، تحابوا تجتمع كلمتكم ، وتباذلوا تعتدل أموالكم ، وابدءوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم ، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم . ومن كلام الأحنف السائر في أيدي الناس : الزم الصحّة يلزمك العمل . وسئل خالد بن صفوان عن الكوفة والبصرة فقال : « نحن منابتنا قصب ، وأنهارنا عجب ، وسماؤنا رطب ، وأرضنا ذهب » . وقال الأحنف : « نحن أبعد منكم سريّة ، وأعظم منكم بحرية ، وأكثر منكم ذرّية ، وأعذى « 1 » منكم برية » . وقال أبو بكر الهذلي : « نحن أكثر منكم ساجا وعاجا ، وديباجا وخراجا ، ونهرا عجاجا » . وكتب صاحب لأبي بكر الهذلي إلى رجل يعزيه عن أخيه : « أوصيك بتقوى اللّه وحده ، فإنه خلقك وحده ، ويبعثك يوم القيامة وحده . والعجب كيف يعزي ميت عن ميتا . والسلام » . وقال رجل لابن عياش رحمه اللّه : أيما أحب إليك : رجل قليل الذنوب قليل العمل ، أو رجل كثير الذنوب كثير العمل ؟ فقال : ما أعدل بالسلامة شيئا . وقال آخر : حماقة صاحبي أشد ضررا علي منها عليه . شعبة أبو بسطام قال : قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : لا أماري أخي ، فأما أن أكذبه ، وإما أن أغضبه .
--> ( 1 ) أعذى من العذاة وهي الأرض الطيبة الكريمة المنبت .